وفاته صلوات الله عليه والرد على من ينكرها(1)

فيما يلي سيتم ذكر روايات متعددة حول هذا الموضوع مع مصدر كلٍ منها:
1 ـ ذكر أبي وابن الوليد معا عن سعد بن عبد الله قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي بن محمد العسكري ودفنه ممن لا يوقف على إحصاء عددهم، ولايجوز على مثلهم التواطئ بالكذب.
وبعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين وذلك بعد مضي أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) بثمانية عشر سنة أو أكثر مجلس أحمد بن عبيدالله ابن خاقان، وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق الله وأشد هم عداوة لهم.
فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسر من رأى، ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم عند السلطان، فقال أحمد بن عبيدالله: ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا ولاسمعت به في هديه وسكونه، وعفافه، ونبله، وكرمه، عند أهل بيته، والسلطان وجميع بني هاشم، و تقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء والكتاب وعوام الناس.
وإني كنت قائما ذات يوم على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس، إذ دخل عليه حجابه فقالوا له: ابن الرضا على الباب فقال بصوت عال: ائذنوا له فدخل.
رجل أسمر أعين حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة.
فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطوات ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم، ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دنامنه عانقه وقبل وجهه، ومنكبيه، وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه وجعل يكلمه ويكنيه ويفديه بنفسه وأبويه، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقالوا: الموفق قد جاء (2).
وكان الموفق إذا جاء ودخل على أبي تقدم حجابه وخاصة قواده، فقاموا بين مجلس أبي وبين الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج، فلم يزل أبي مقبلا عليه يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ: إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمد ثم قال لغلمانه: خذوا به خلف السماطين لئلا يراه الامير يعني الموفق وقام أبي فعانقه وقبل وجهه ومضى.
فقلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي (3) فعل به أبي هذا الذي فعل؟ فقالوا: هذارجل من العلوية يقال له: الحسن بن على يعرف بابن الرضا فازددت تعجبا فلم أزل يومي ذلك قلقا متفكرا في أمره وأمر أبي وما رأيت منه حتى كان الليل، وكانت عادته أن يصلي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج من المؤامرت وما يرفعه إلى السلطان فلما نظر وجلس جئت فجلست بين يديه (4) فقال: يا أحمد ألك حاجة؟ قلت:
نعم يا أبه، إن أذنت، سألتك عنها، فقال: قد أذنت لك يا بني فقل ما إحببت فقلت:
يا أبه من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت من الا جلال والاكرام و
التبجيل، وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بني ذلك ابن الرضا، ذاك إمام الرافضة، فسكت ساعة فقال: يا بني لوزالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا، فان هذا يستحقها في فضله، وعفانه وهديه وصيانة نفسه، وزهده، وعبادته، وجميل أخلاقه، وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلا جليلا نبيلا خيرا فاضلا.
فازددت قلقا وتفكرا وغيظا على أبي مما سمعت منه فيه، ولم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره، والبحث عن أمره، فما سألت عنه أحدامن نبي ـ هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عندهم في غاية الاجلال والاعظام، والمحل الرفيع، والقول الجميل، والتقديم له على (5)
أهل بيته ومشايخه وغيرهم، وكل يقول: هو إمام الرافضة، فعظم قدره عندي إذ لم أرله وليا ولا عدوا إلا وهو يحسن القول فيه، والثناء عليه.
فقال له بعض أهل المجلس من الاشعريين: يا بابكر فماحال أخيه جعفر؟
فقال: ومن جعفر فيسأل عن خبره أو يقرن به؟ إن جعفرا معلن بالفسق، ما جن شريب للخمور، أقل من رأيت من الرجال، وأهتكهم لستره بنفسه فدم خمار (6) قليل في نفسه، خفيف.
والله لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي ما تعجبت منه، وما ظننت أنه يكون.
وذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته مبادرا إلى دار الخلافة، ثم رجع مستجعلا ومعه خمسة نفر من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته، فمنهم نحرير (7) وأمرهم بلزوم دار الحسن ابن علي وتعرف خبره وحاله وبعث إلى نفر من المتطببين فأمر هم بالاختلاف إليه، وتعاهده في صباح ومساء.
فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف، فركب حتى بكر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضرء مجلسه، وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأما نته وورعه فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا.
فلم يزالوا هناك حتى توفي لايام مضت من شهر ربيع الاول من سنة ستين ومائتين فصارت سرمن رأى ضجة واحدة " مات ابن الرضا ".
وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاؤا بنساء يعرفن الحبل، فدخلن على جواريه فنظر إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حبل، فأمربها فجعلت في حجرة ووكل بها نحريرالخادم وأصحابه، ونسوة معهم (8) ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته، وعطلت الاسواق، وركب أبي وبنوهاشم، والقواد والكتاب وسائر الناس إلى جنازته فكانت سر من رأى يومئذ شبيها بالقيامة.
فلما فرغوا من تهيئته، بعث السلطان إلى أبي عيسى ابن المتوكل، فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة، دنا أبوعيسى منها فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدلين، وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان.
ثم غطى وجهه، وقام فصلى عليه وكبر عليه خمسا وأمر بحمله، وحمل من وسط داره، ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.
فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل، والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليه الحبل ملازمين لها سنتين، وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه بين امه وأخيه جعفر، وادعت امه وصيته وثبت ذلك عند القاضي، والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده.
فجاء جعفر بعد قسمة الميراث إلى أبي وقال له: اجعل لي مرتبة أبي وأخي واوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار، فزبره أبى وأسمعه وقال له: يا أحمق إن السلطان أعزه الله جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليرد هم عن ذلك، فلم يقدر عليه، ولم يتهيأله صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد أن يزيل أباك وأخاك عن تلك المرتبة، فلم يتهيأله ذلك، فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما فلا حاجة بك إلى سلطان يرتبك مراتبهم، ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بها.
واستقله عند ذلك، واستضعفه، وأمر أن يحجب عنه، فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي، وخرجنا والامر على تلك الحال، والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي حتى اليوم (9).
2 ـ ذكر مصدر (10)قول ابن قولويه، عن الكليني (11)، عن الحسن بن محمد الاشعري ومحمد بن يحيى وغيرهما قالوا: كان أحمد بن عبيد الله بن خاقان على الضياع والخراج بقم، وذكر مثله (12).
 بيان: " سماط القوم " بالكسر صفهم، والفدم العيي عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم ـ والغليظ الاحمق الجا في (13) و " الزبر " المنع و " أسمعه " أي شتمه.
لتفظى على حال الصبى، فسلمت إلى ابن أبى الشوارب القاضى، وبغتهم موت عبد الله بن يحيى ابن خاقان فجأة وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم.
واقول: ذكر الشيخ في فهر سته في ترجمة أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان " له مجلس يصف فيه أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد، عن عبدالله بن جعفر الحميري قال: حضرت وحضر جماعة من آل سعد بن مالك، وآل طلحة، وجماعة من التجار في شعبان لاحدى عشرة ليلة مضت من سنة ثمان وسبعين ومائتين مجلس أحمد بن عبيدالله بكورة قم فجرى ذكر من كان بسر من رأى من العلوية وآل أبي طالب، فقال: أحمد بن عبيد الله:
ما كان بسر من رأى رجل من العلوية مثل رجل رأيته يوما عند أبي عبيد الله بن يحيى يقال له الحسن بن علي (عليهما السلام) ثم وصفه وساق الحديث " انتهى وقال النجاشي في فهرسته: أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان ذكره أصحابا في المصنفين وأن له كتابا يصف فيه سيدنا أبا محمد لم أر هذا الكتاب (14).
3 ـ ذكر الحسن بن علي الزيتوني، عن إبراهيم بن مهزيار وسهل بن الهرمزان، عن محمد بن أبي الزعفران، عن ام أبي محمد (عليه السلام) قالت: قال لي أبومحمد يوما من الايام تصيبني في سنة ستين حزازة أخاف أن أنكب فيها نكبة، فان سلمت منها فالى سنة سبعين، قالت: فأظهرت الجزع، وبكيت فقال: لابد لي من وقوع أمر الله، فلا تجزعي.
فلما أن كان أيام صفر أخذها المقيم المقعد، وجعلت تقوم وتقعد، وتخرج في الاحايين إلى الجبل، وتجسس الاخبار حتى ورد عليها، الخبر (15).
بيان: أخذها المقيم المقعده " أي الحزن الذي يقيمها ويقعدها.
3 ـ وجدت مثبتا في بعض الكتب المصنفة في التواريخ ولم أسمعه عن محمد بن الحسين بن عباد أنه قال: مات أبومحمد (عليه السلام) يوم الجمعة مع صلاة الغداة وكان في تلك الليلة قد كتب بيده كتبا كثيرة إلى المدينة وذلك في شهر ربيع الاول لثمان خلون سنة ستين ومائتين للهجرة، ولم يحضره في ذلك الوقت إلا صقيل الجارية، وعقيد الخادم، ومن علم الله غيرهما.
قال عقيد: فدعا بماء قد اغلي بالمصطكي فجئنا به إليه، فقال: أبدأ بالصلاة جيئوني فجئنا به، وبسطنا في حجره المنديل وأخذ من صقيل الماء، فغسل به وجهه وذراعيه مرة مرة ومسح على رأسه وقدميه مسحا وصلى صلاة الصبح على فراشه وأخذ القدح ليشرب فأقبل القدح يضرب ثناياه، ويده ترعد، فأخذت صقيل القدح من يده، ومضى من ساعته صلى الله عليه ودفن في داره بسرمن رأى إلى جانب أبيه (عليه السلام) وصار إلى كرامة الله جل جلاله، وقد كمل عمره تسعا وعشرين سنة.
قال: وقال لي ابن عباد: في هذا الحديث: قدمت ام أبي محمد (عليه السلام) من المدينة واسمها حديث حين اتصل بها الخبر إلى سر من رأى، فكانت لها أقا صيص يطول شرحها مع أخيه جعفر من مطالبته إياها بميراثه، وسعايته بها إلى السلطان، وكشف ما أمر الله عزوجل بستره.
وادعت عند ذلك صقيل أنها حامل فحملت إلى دار المعتمد فجعلن نساء المعتمد وخدمه ونساء الموفق وخدمه ونساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدن أمرها في كل وقت، ويراعونه إلى أن دهمهم أمر الصفار (16) وموت عبيد الله ابن يحيى بن خاقان بغتة، وخروجهم عن سر من رأى، وأمر صاحب الزنج بالبصرة وغير ذلك فشغلهم عنها (17).
4 ـ قال أبوالحسن علي بن محمد بن حباب (18): حدثنا أبوالاديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وأحمل كتبه إلى الامصار، فدخلت إليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتبا وقال: تمضي بها إلى المدائن فانك ستغيب خمسة عشر يوما فتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري، وتجدني على المغتسل.
قال أبوالاديان: فقلت: يا سيدي فاذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابك كتبي، فهو القائم بعدي؟ فقلت: زدني، فقال من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهوالقائم بعدي.
ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي (عليه السلام) فاذا أنابالواعية في داره وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار، والشيعة حوله يعزونه ويهنؤنه.
فقلت في نفسي: إن يكن هذا الامام فقد حالت الامامة، لاني كنت أعرفه بشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شئ ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة.
فلما صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي (عليه السلام) على نعشه مكفنا، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط بأسنانه تفليج، فجبذ رداء جعفر بن على وقال: تأخر ياعم فأنا أحق بالصلاة
على أبي فتأخر جعفر، وقد اربد وجهه، فتقدم الصبي فصلى عليه، ودفن إلى جانب قبرأبيه.
ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، وقلت في نفسي: هذه اثنتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي؟ ليقيم عليه الحجة فقال: والله ما رأيت قط ولاعرفته.
فنحن جلوس إذ قدم نفرمن قم، فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته فقالوا: فمن؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنؤوه، وقالوا معنا كتب ومال، فتقول: ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول:
يريدون منا أن نعلم الغيب.
قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان، وهميان فيه ألف دينار، عشرة دنانير منها مطلية (19)
فدفعوا الكتب والمال، وقالوا: الذي وجه بك لاجل ذلك هو الامام.
فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك فوجه المعتمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية، وطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حملا بها لتغطي على حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فجاءة وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم والحمدلله رب العالمين لاشريك له (20).
بيان: " الجوسق " القصر، " وجبذ " أي جذب وفي النهاية اربد وجهه أي تغير إلى الغبرة، وقيل الربدة لون بين السواد والغبرة.
اقول: أوردنا بعض الاخبار في ذلك في باب من رأى القائم (عليه السلام) (21).
5 ـ مرض أبومحمد الحسن في أول شهر ربيع الاول سنة ستين ومات في يوم الجمعة لثمان خلون من هذا الشهر في السنة المذكورة، وله يوم وفاته ثمان وعشرون سنة فدفن في البيت الذي دفن أبوه من دارهما بسر من رأى، وخلف ابنه المنتظر لدولة الحق.
وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت، وشدة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، لماشاع من مذهب الشيعة الامامية فيه، وعرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده (عليه السلام) في حياته، ولاعرفه الجمهور بعد وفاته.
وتولى جعفر بن على أخو أبي محمد (عليه السلام) أخذ تركته، وسعى في حبس جواري أبي محمد (عليه السلام) واعتقال حلائله، وشنع على أصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده والقول بامامته، وأغرى بالقوم حتى أخافهم وشددهم، وجرى على مخلفي أبي الحسن (عليه السلام) بسبب ذلك كل عظيمة من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذل ولم يظفر السلطان منهم بطائل.
وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمد (عليه السلام) واجتهد في القيام على الشيعة مقامه فلم يقبل أحد منهم ذلك، ولا اعتقدوه فيه، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه، وبذل مالا جليلا وتقرب بكل ما ظن أنه يتقرب به، فلم ينتفع بشئ من ذلك.
ولجعفرأخبار كثيرة في هذا المعنى رأيت الاعراض عن ذكرها، لاسباب لايحتمل الكتاب شرحها، وهي مشهورة عند الامامية ومن عرف أخبار الناس من العامة وبالله أستعين. (22)
6 ـ على بن محمد الدقان عن العطار، عن أبيه، عن الفزاري، عن محمد بن أحمد المدائني، عن أبي غانم قال: سمعت أبا محمد (عليه السلام) يقول: في سنة مائتين وستين تفترق شيعتي وفيها قبض أبومحمد (عليه السلام)، وتفرقت شيعته وأنصاره، فمنهم.
من انتهى إلى جعفر، ومنهم من أتاه وشك، ومنهم من وقف على الحيرة، ومنهم
من ثبت على دينه بتوفيق الله عزوجل. (23)
7 ـ في أول يوم من ربيع الاول كانت وفاة أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) ومصير الامر إلى القائم بالحق (عليه السلام).
8 ـ ذكر الشيخ الثقة محمد بن جرير الطبرى الامامي في كتاب التعريف ومحمد بن هارون التلعكبرى وحسين بن حمدان الخطيب والمفيد في كتاب مولد النبي والاوصياء والشيخ في التهذيب وحسين بن خزيمة، ونصربن علي الجهضمي في كتاب المواليد وكذلك الخشاب في كتاب المواليد وابن شهر آشوب في كتاب المواليد أن وفاة مولانا الحسن العسكرى (عليه السلام) كانت لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاول.
9 ـ قبض (عليه السلام) بسر من رأى يوم الاحد، وقال المفيد يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين.
10 ـ قبض (عليه السلام) يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه (عليهما السلام) بسر من رأى (24).
11 ـ وقال مصدر آخر كانت مدة خلافته ست سنين، ومرض في أول شهر ربيع الأول وتوفي يوم الجمعة.
12 ـ توفي (عليه السلام) في أول يوم من ربيع الاول وقال في موضع آخر في يوم الجمعة ثامنه، سمه المعتمد.
13 ـ ذكر صاحب عيون المعجزات عن أحمد بن إسحاق بن مصقلة قال: دخلت على أبي محمد (عليه السلام) فقال لي: يا أحمد ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك.
والارتياب؟ قلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا (عليه السلام)، لم يبق منا رجل ولا امرءة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق قال (عليه السلام): أما علمتم أن الارض لاتخلو من حجة الله تعالى.
ثم أمر أبومحمد (عليه السلام) والدته بالحج في سنة تسع وخمسين ومائتين وعرفها ما يناله في سنة ستين، ثم سلم الاسم الا عظم والمواريث والسلاح إلى القائم الصاحب
 (عليه السلام)، وخرجت ام أبي محمد إلى مكة وقبض (عليه السلام) في شهر ربيع الاخر سنة ستين ومائتين ودفن بسرمن رأى إلى جانب أبيه صلوات الله عليهما، وكان من مولده إلى وقت مضيه تسع وعشرون سنة.
14 ـ مروج الذهب: في سنة ستين ومائتين قبض أبومحمد الحسن بن علي (عليهما السلام) في خلافة المعتمد، وهو ابن تسع وعشرين سنة، وهو أبوالمهدي المنتظر، والامام الثاني عشر، عند القطعية من الامامية، وهم جمهور الشيعة، وقد تنازع هؤلاء في المنتظر من آل محمد بعد وفاة الحسن بن علي (عليهما السلام) وافترقوا على عشرين فرقة (25).
* (دفع شبهة) *(27)

اقول: قد وقعت داهية عظمى، وفتنة كبرى، في سنة ست ومائة بعد الالف من الهجرة في الروضة المنورة بسرمن رأى، وذلك أنه لغلبة الاروام وأجلاف العرب على سر من رأى، وقلة اعتنائهم، باكرام الروضة المقدسة، وجلاء السادات والاشراف لظلم الاروام (26) عليهم منها وضعوا ليلة من الليالي سراجا داخل الروضة المطهرة في غير المحل المناسب له فوقعت من الفتيلة نار على بعض الفروش أو الاخشاب ولم يكن أحد في حوالي الروضة فيطفيها.
فاحترقت الفروش والصناديق المقدسة والاخشاب والابواب وصار ذلك فتنة لضعفاء العقول من الشيعة والنصاب من المخالفين جهلا منهم بأن أمثال ذلك لايضر بحال هؤلاء الاجلة الكرام، ولا يقدح في رفعة شأنهم عند الملك العلام، وإنما ذلك غضب على الناس، ولا يلزم ظهور المعجز في كل وقت، وإنما هو تابع للمصالح الكلية والاسرار في ذلك خفية، وفيه شدة تكليف، افتتان وامتحان للمكلفين وقد وقع مثل ذلك في الروضة المقدسة النبوية بالمدينة أيضا صلوات الله على مشرفها وآله.
قال الشيخ الفاضل الكامل السديد يحيى بن سعيد قدس الله روحه في كتاب جامع الشرائع في باب اللعان أنه إذا وقع بالمدينة يستحب أن يكون بمسجدها عند منبره (عليه السلام).
ثم قال: وفي هذه السنة وهي سنة أربع وخمسين وست مائة في شهر رمضان احترق المنبر وسقوف المسجد ثم عمل بدل المنبر.
وقال صاحب كتاب عيون التواريخ من أفاضل المخالفين في وقايع السنة الرابع والخمسين والستمائة: وفي ليلة الجمعة أول ليلة من شهر رمضان احترق مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المدينة، وكان ابتداء حريقه من زاوية الغربية من الشمال، وكان أحد القومة قد دخل خزانة ومعه نار فعلقت في بعض الالات، ثم اتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف آخذة مقبلة فأعجلت الناس عن قطعها.
فما كان إلا ساعة حتى احترق سقوف المسجد أجمع، ووقع بعض أساطينه وذاب رصاصها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، واحتراق سقف الحجرة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ووقع ما وقع منه بالحجرة، وبقي على حاله، وأصبح الناس يوم الجمعة فعزلوا موضع الصلاة انتهى.
والقرامطة هدموا الكعبة، ونقلوا الحجر الاسود، ونصبوها في مسجد الكوفة وفي كل ذلك لم تظهر معجزة في تلك الحال، ولم يمنعوا من ذلك على الاستعجال، بل ترتب على كل منها آثار غضب الله تعالى في البلاد والعباد بعدها بزمان، كما أن في هذا الاحتراق ظهرت آثار سخط الله على المخالفين في تلك البلاد، فاستولى الاعراب على الروم وأخذوا منهم أكثر البلاد، وقتلوا منهم جما غفيرا وجمعا كثيرا، وتزداد في كل يوم نائرة الفتنة. والنهب والغارة، في تلك الناحية، اشتعالا وقد استولى الافرنج على سلطانهم مرارا وقتلوا منهم خلقا كثيرا وكل هذه الامور من آثار مساهلتهم في امور الدين. وقلة اعتنائهم بشأن أئمة الدين سلام الله عليهم أجمعين.
وكفى شاهدا لما ذكرنا من أن هذه الامور من آثار غضب الله تعالى استيلاء بخت نصر على بيت المقدس، وتخريبه إياه، وهتك حرمته له، مع أنه كان من أبنية الانبياء والاوصياء (عليهم السلام)، وأعظم معابدهم ومساجدهم، وقبلتهم في صلاتهم وقتل آلافا من أصفياء بني إسرائيل، وصلحائهم وأخيارهم، ورهبانهم.
وكل ذلك لعدم متابعتهم للانبياء (عليهم السلام) وترك نصرتهم، والاستخفاف بشأنهم وشتمهم وقتلهم.
ثم إن هذا الخبر الموحش لما وصل إلى سلطان المؤمنين، ومروج مذهب آبائه الائمة الطاهرين، وناصرالدين المبين، نجل المصطفين، السلطان حسين برأه الله من كل شين ومين، عد ترميم تلك الروضة البهية، وتشييدها فرض العين فأمر باتمام صناديق أربعة في غاية الترصيص والتزيين، وضريح مشبك كالسماء ذات الحبك، زينة للناظرين، ورجوما للشياطين، وفقه الله تعالى لتأسيس جميع مشاهد آبائه الطاهرين، وترويج آثارهم في جميع العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. بتصرف من: فصل من كتاب حياة الإمام العسكري عليه السلام للعلامة محمد باقر المجلسي والتعليقات على الأخبار الواردة فيه هي للمؤلف.
  2. الموفق هو أخو الخليفة المعتمد على الله: أحمد بن المتوكل، وكان صاحب حيشه.
  3. في الكافى: ويلكم من هذا الذى كنيتموه على أبى.
  4. زاد في اعلام الورى: وليس عنده أحد.
  5. في اعلام الورى: على جميع أهل بيته
  6.  سيجئ في بيان المؤلف قدس سره بيان ذلك، وفى المصدر المطبوع هكذا: فدم حمار " يعنى كنك وأحمق " !
  7. في نسخة أعلام الورى والإرشاد: فيهم نحرير، وقد مر أنه كان رائضا للسباع.
  8. دخل جعفر بن على على المعتمد وكشف له عن حال ابن أخيه الحجة (عليه السلام) فوجه المتعمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية، وطالبوها بالصبى فأنكرته وادعت بها حملابها
  9. كمال الدين ج 1 ص 120 ـ 125
  10. اعلام الورى ص 357 ـ 359.
  11. الكافى ج 1 ص 503 ـ 506.
  12. الارشاد ص 318 ـ 320 وبعده: وهو لايجد إلى ذلك سبيلا، وشيعته مقيمون على أنه مات وخلف ولدا يقوم مقامه في الامامة وقدرواه ملخصا في المناقب ج 4 ص 423 وهكذا سائر الكتب.
  13. كل ذلك تفسير للفدم.
  14. رجال النجاشى ص 68.
  15. بصائرالدرجات ص 482.
  16. يعنى يعقوب بن ليث الصفار الذى خرج على العباسية.
  17. كمال الدين ج 2 ص 149 ـ 150.
  18. في المصدر المطبوع: خشاب.
  19. مطلسة ظ، والدينار المطلس الذى انمحى أثر نقشه.
  20. كمال الدين ج 1 ص 150 ـ 152.
  21. راجع ج 52 ص 16 و 42 و.. من طبعتنا هذه.
  22. ارشاد المفيد ص 325.
  23. كفاية الاثرص 326.
  24. الكافى ج 1 ص 503
  25. افترق الناس بعد وفاة أبى محمد العسكرى (عليه السلام) إلى فرق. فرقة أنكرت وفاته، ووقفت عليه، وادعت انه القائم المنتظر، وقد عقد المؤلف قدس سره هذا الباب لاجلهم أيضا حيث قال: والرد على من ينكرها.
    فرقة اعترفت بموته، وزعمت أنه عاش من جديد، فهو الامام المنتظر.
    فرقة قالت بانقطاع الإمامة من آل محمد صلى الله عليه وآله بعده (عليه السلام) والمرجع للأمة: الاخبار المروية عن أهل البيت (عليهم السلام).
    فرقة ساقت الامامة إلى أخيه جعفربوصية من قبل ابيهما على الهادى (عليهما السلام) فرقة قالت بامامة جعفر لكنه بوصية من قبل أخيه أبى محمد العسكرى (عليه السلام) فرقة قالت بامامة ولده على بن الحسن العسكرى وأنه القائم المنتظر، والاختلاف بينهم وبين القطعية من الامامية بامامة المهدى المنتظرم ح م د لفظى.
    فرقة أنكرت امامة الحسن (عليه السلام) ـ لاجل أن الامام لا يكون الا عن عقب، وهو (عليه السلام) لم يظهر له ولد حتى يكون اماما صامتا في حياة أبيه ـ وادعت أن أخاه محمد بن على أوصى إلى غلام لابيه اسمه نفيس أن يدفع الكتب والسلاح إلى جعفر بن على بعد موت أبيه على (عليه السلام) وأن هذا الامر عن تفاهم مع أبيه على (عليه السلام) فجعفر هو الامام بعد أبيه.
    فرقة ارتبك الامر عليهم فلم يدروا ان الامامة بعد أبى محمد (عليه السلام) في صلبه أم ترجع إلى أخيه جعفر وأولاده فتوقفت إلى غير ذلك من الفرق، وقد فصل المؤلف قدس سره القول في ذلك نقلا عن الفصول المختارة في ج 37 من تاريخ أميرالمؤمنين ص 20 ـ 28، فراجع.
  26. يريد رجال دولة الروم.
  27. هذه الشبهة وجوابها مما ألحقه المؤلف (العلامة المجلسي) بعد ثلاثين (ما بين سنة 1077 وسنة 1106) من تمام الكتاب ـ أقلا ـ بهذا الموضع.