آثاره (عليه السَّلام)

روي عن الإمام شيء كثير من العلم وقد جاء إليهم لما هجموا عليه لم يجدوا شيئاً سوى بعض الحاجيات (وكتب العلم) ولا ريب أن أكثرها موروثة من آبائه، وكانت السلطة الحاكمة تحاول مضايقة الإمام (عليه السَّلام) بتوجيه الأسئلة المختلفة من قبل عمال الحكومة والقضاة وكان (عليه السَّلام) يجيب عليها بدافع الحق وبيان الحقيقة ومنها ما حصل من يحيى بن أكثم وقد أجاب (عليه السَّلام) بما يأتي: (بسم الله الرحمن الرحيم: وأنت ألهمك الله الرشد أتاني كتابك فيما امتحنتنا به من تفننك لتجد إلى الطعن سبيلاً إن قصرنا فيها والله يكافيك على نيتك وقد شرحنا مسائلك فاصغِ إليها سمعك وذلل لها فهمك وأشغل بها قلبك فقد رامتك الحجة والسَّلام:
1 - سألت عن قول الله عز وجل: (قال الذي عنده علم من الكتاب) فهو اصف بن برخيا ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف اصف ولكنه أحب أن يعرف أُمته من الجن والإنس أنه الحجة من بعده وذلك من علم سليمان أودعه اصف بأمر الله، ففهمه ذلك لئلا تختلف إمامته ودلالاته كما فهم سليمان في حياة داود فتعرف نبوته وولايته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق.
2 - وأما سجود يعقوب وولده فإن السجود لم يكن ليوسف كما أن السجود من الملائكة لم يكن لآدم وإنما كان ذلك طاعة لله ومحبة منهم لآدم فسجود يعقوب وولده ويوسف معهم كان لله تعالى باجتماع شملهم، ألم ترَ أنه يقول في شكره في ذلك الوقت (رب قد أتيتني من الملك) الآية.
3 – وأما قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسأل الذين يقرءون الكتاب) فإن المخاطب بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم يكن في شك بما أنزل الله ولكن قالت الجهلة كيف لم يبعث الله نبياً من الملائكة، ولِمَ لَمْ يفرق بينه وبين الناس في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق فأوحى الله إلى نبيه (صلّى الله عليه وآله) قال: فاسأل الذي يقرءون الكتاب بمحضر من الجهلة هل بعث الله رسولاً قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويشرب الشراب ويمشي في الأسواق ولك بهم أُسوة يا محمد، وإنما قال: فإن كنت في شك ولم يكن فيه شك. كما قال: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) ولو قال: عليكم لم يجيبوا إلى المباهلة وقد علم الله أن نبيه مؤدٍ عنه رسالته، وما هو من الكاذبين فكذلك عرف النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه صادق فيما يقول ولكن أحب أن ينصف من نفسه.
4 - وأما قوله: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) الآية فهو كذلك لو أن أشجار الدنيا أقلام والبحر يمده سبعة أبحر وانفجرت الأرض عيوناً لنفذت قبل أن تنفذ كلمات الله، ونحن كلمات الله التي لا تنفذ ولا تدرك فضائلنا وأما الجنة فإن فيها من المآكل والمشارب والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأباح الله ذلك كله لآدم، والشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد عهد إليهما أن لا ينظرا إلى من فضل الله على خلافته فنسي ونظر يعني الحسد ولم يجد له عزماً.
5 - وأما قوله: (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) أي يولد له ذكور ويولد له إناث، يقال لكل اثنين مقترنين زوجان كل واحد منها زوج ومعاذ الله أن يكون عنى الجليل ما لبست به على نفسك تطلب الرخص لارتكاب المأثم (ومن يفعل ذلك يلقَ آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً) إن لم يتب.
6 - وأما شهادة امرأة وحدها التي حازت فهي القابلة جازت شهادتها مع الرضا فإن لم يكن رضا فلا أقل من امرأتين تقوم المرأة بدل الرجل للضرورة لأن الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها فإن كانت وحدها قبل قولها مع يمينها.
7 - وأما قول علي في الخنثى فهي كما قال تنظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة وينتظرون في المرايا فيرون الشيخ فيحكمون عليه.
8 - وأما الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على شاة فإن عرفها ذبحها وأحرقها وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجى النصف الآخر ثم يفرق النصف الأخر فلا يزال كذلك، حتى يبقى شاتان فيقرع بينهما أيهما وقع السهم بها ذبحت وأُحرقت ونجى سائر الغنم.
9 - وأما قول علي بشِّر قاتل ابن صفية بالنار فهو لقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان ممن خرج يوم النهروان فلم يقتله أمير المؤمنين بالبصرة، لكنه قتل في النهروان.
10 - وأما قولك إن علياً قتل أهل صفين مقبلين ومدبرين جهز على جريحهم وإنه يوم الجمل لم يتبع مولياً ولم يجهز على جريحهم ومن ألقى سلاحه أمنه ومن دخل داره أمنه فإن أهل الجمل قتل إمامهم ولم يكن لهم فتنة يرجعون إليها.
وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولا منابذين فقد رضوا بالكف عنهم فكان الحكم منهم رفع السيف والكف عنهم إذ لم يطلبوا عليه أعوانا، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فتنة مستعدة وإمام منتصب يجمع لهم السلاح والدروع والرماح والسيوف، ويسني لهم العطاء ويهيئ لهم الأموال ويعود مريضهم ويجبر كسيرهم ويداوي جريحهم ويحمل راحلهم ويكسوا خاسرهم ويردهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم، فإن الحكم في أهل البصرة الكف عنهم لما ألقوا أسلحتهم إذ لم يكن لهم فتنة يرجعون إليها والحكم في أهل صفين أن يتبع مدبرهم ويجهز على جريحهم فلا يساوي بين الفريقين في الحكم لأمير المؤمنين (عليه السَّلام) وحكمه في أهل صفين والجمل لما عرف الحكم في عصاة أهل التوحيد، انتهى الجواب.
فلما قرأ ابن أكثم ذلك قال للمتوكل: ما يجب أن تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي هذه فإنه لا يرد عليه شيء بعدها إلا دونها.
ومنها رسالة في الجبر والتفويض مفصلة ينبغي تحقيقها ودراستها. رواها في (تحف العقول) ص341 و(التوحيد) للصدوق ص291.

  ومن كلماته (عليه السَّلام) القصار

1 - من اتقى الله يتقِ ومن أطاع الله يُطع ومن أطاع الخالق لم يبالِ بسخط المخلوقين.
2 - من أمن مكر الله أخذه تكبر حتى يحل به قضاؤه.
3 - من كان على بينة من ربه هانت عليه مصائب الدنيا ولو قرض ونشر.
4 - الشاكر أسعد بالشكر منه بالنصيحة التي أوجبت الشكر لأن النعم متاع والشكر نعم.
5 - اقبل على شأنك فإن كثرة الملق يهجم على الظنة وإذا حللت من أخيك محل الثقة فاعدل عن الملق إلى حسن النية.
6 - إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يبين في عدوك.
7 - خير من الخير فاعله وأرجح من العلم عامله.
8 - إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن يظن أحد بأحد سواءً حتى يعلم ذلك منه وإذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيراً ما لم يعلم ذلك منه.
9 - قال (عليه السَّلام) للمتوكل: لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه ولا الوفاء ممن غدرت به ولا النصح من صرفت سوء ظنك إليه فإنما قلب غيرك كقلبك له.
10 - إن الظالم الحالم يكاد أن يعفي على ظلمه بحلمه وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه.
11 - من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك.
12 - من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره.
13 - الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون.
14 - من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه.
15 - الغنى قلة تمنيك والرضا بما يكفيك.
16 - الناس في الدنيا بالأموال وفي الآخرة بالآجال.
17 - الحسد ماحي الحسنات والعجب صارف عن طلب العلم.
18 - المراء يفسد الصداقة.
19 - المغالبة رأس أسباب القطيعة.
20 - العتاب مفتاح الثقال.
21 - والعتاب خير من الحقد.
22 - العقوق ثكل من لم يثكل.
23 - الغضب على من يحلمك لوم.