خروجه إلى سامراء (243هـ)

في المناقب عنه قوله: (أخرجت إلى سر من رأى كرهاً، وخرجت عنها كرهاً... لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها).
ذكروا لسبب خروجه (عليه السَّلام) أقوالاً:
ولعل أوجهها ما ذكره سبط ابن الجوزي بقوله: (قال العلماء: إنما أشخصه المتوكل إلى بغداد، لأن المتوكل كان يبغض علياً وذريته فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة وميل الناس، فخاف منه فدعا يحيى بن هرثمة، وقال اذهب إلى المدينة وانظر في حاله وأشخصه إلينا).
قال المفيد: بلغ أبا الحسن (عليه السَّلام) سعي عبد الله بن محمد به، فكتب (عليه السَّلام) إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد عليه وكذبه، فيما سعى به فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول في كتاب وجهه إلى الإمام (عليه السَّلام):
ولما وصل الكتاب إلى الحسن (عليه السَّلام) تجهز للرحيل وخرج معه يحيى بن هرثمة.
والمتوكل هذا من أشد العباسيين عداء للعلويين هدم قبر الإمام الحسين (عليه السَّلام) وسواه بالتراب.
ثم أمر بحرث الأرض وزرعها لتضييع معالمه وعليه لا أظن السبب في استدعاء الإمام وشاية الوالي أو ما شابه.
وقد يكون، ولكنها مفتعلة، إذ أن المتوكل كان يخشى من المدينة كمركز ديني يجتمع فيه الحجاج في كل عام ومن وجود الإمام (عليه السَّلام) وهو ابن رسول الله في هذا المركز الديني ليحاول إبعاد الإمام عن هذا المركز وجعله تحت رقابته وفي قبضته، هذا هو السبب الحقيقي مهما اختلفت الأسباب المفتعلة، وسيرته معه في سامراء تكشف عن نواياه.
وخاصة لما جاءت رسالة المتوكل به قبلها الإمام وأظهر أنه كان مجبوراً وإن كان الكتاب يمهله في الظاهر.
وإليك نص الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك راع لقرابتك، موجب بحقك، مؤثر من الأمور فيك، وفي أهل بيتك، ما يصلح الله به حالك وحالهم، وثبت عزك وعزهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم يبتغي بذلك رضى ربه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إذا كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك، وعندما فرقك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في ترك مجاوبته وأنت لم تؤهل نفسك لما فرقت يطلبه وقد ولي أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتحليلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت وتسير إذا شئت كيف شئت، وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجندية يرحلون برحيلك ويسيرون بسيرك فالأمر في ذلك إليك، وقد تقدمنا الله بطاعتك فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد من إخوانه وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منك منزلة ولا أحمد له أثره، ولا هو لهم أنظر ولا عليهم أشفق وبهم أبر ولا هو إليهم أسكن منه إليك، والسَّلام عليك ورحمة الله وبركاته وكتب إبراهيم بن العباس في شهر جمادى الآخرة من سنة 243هـ).
ويقول يحيى بن هرثمة: (فلما دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقته وورعه وزهادته، وإني فتشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم وإن أهل المدينة خافوا عليه فأكرمه المتوكل).
قال المفيد: (خرج معه يحيى بن هرثمة حتى وصل إلى سر من رأى فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه في يومه فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه يومه ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل إليها... وأقام أبو الحسن (عليه السَّلام) مدة مقامه بسر من رأى مكرماً في ظاهر حاله فجهد المتوكل في إيقاع حيله به فلم يتمكن من ذلك).
وجاء في الإرشاد عن نوعية مضايقاته للإمام قوله: أن أمر المتوكل السعيد الحاجب أن يهجم عليه ليلاً ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمله إليه... قال الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن (عليه السَّلام) بالليل ومعي سلم فصعدت منه إلى السطح ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة فلم أدرِ كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن (عليه السَّلام) من الدار يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة فلم ألبث إلى أن أتوا بشمعة فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم أم المتوكل وكيساً مختوماً معها، فقال لي أبو الحسن (عليه السَّلام): دونك المصلى فرفعته فوجدت سيفاً من جفن ملبوس فأخذت ذلك وصرت إليه، فلما نظر إلى خاتم أمه على البدرة بعث إليها، فخرجت إليه فسألها عن البدرة فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت: كنت نذرت في علتك إن عوفيت أن أحمل عليه من مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس ما حركه وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار فأمر أن يضم إلى البدرة بدرة أخرى، قال: إني أحمل ذلك إلى أبي الحسن (عليه السَّلام) واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت، فقلت له: يا سيدي عز علي دخول دارك بغير إذنك ولكني مأمور، قال لي: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
نقل في الشذرات الذهبية ص107 محادثة هامة رأيت أن أنقله كما هي حيث تقدم صورة حية لموقف الإمام (عليه السَّلام) تجاه طغيان الملوك وعبث الخلفاء.
فلقد وشى الوشاة لدى المتوكل فقالوا: إن في منزله سلاحاً وكتباً وإنه يطلب الأمر لنفسه فوجه إليه بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة فوجوده وحده في بيت مغلق، عليه مدرعة من شعر وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن بالوعد والوعيد ليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى، فأخذ على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في جوف الليل فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس فناله الكأس التي كانت بيده، فقال: يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني فأعفاه، وقال له: أنشدني شعراً استحسنه فقال: إني قليل الرواية لشعر قال: لا بد أن تنشدني فأنشده:
باتوا على قلل الأجيال تحرسهــم           غـــلب الرجال فما أغــنـتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معـاقلهــم           وأودعوا حفراً يا بئـــس ما نزلوا
ناداهم صائح من بعـــد ما قــبروا           أين الأسرة والتيـــجـان والحـــلل
أين الوجوه التي كانـت منعــــمــة           من دونها تضرب الأستار والكلل
فافصح القبر عنهم حين سائلهـــم           تلك الوجوه عــليها الــدود تنتقل
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربــوا           فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
فبكى المتوكل بكاء شديداً حتى بلت الدموع لحيته وكل من حضر معه ثم أمر برفع الشراب ورد الهادي مكرماً.
جاء في (وفيات الأعيان 2/435): (ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها وأقره بسر من رأى، وهي تدعى بالعسكر لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فقيل لها: العسكر ولهذا قيل لأبي الحسن علي الهادي المذكور العسكري لأنه منسوب إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، وتوفي بها يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الأخرى سنة أربع خمسين ومائتين ودفن في داره).
ولما استقدم المتوكل - بعد تمكنه من العرش - الإمام الهادي (عليه السَّلام) كان مع أهله ومنهم الحسن العسكري (عليه السَّلام) وكان تحت رقابته قال ابن الجوزي (ينقله صاحب شرح منهاج الكرامة ص210) : (إنما أشخصه المتوكل من المدينة إلى بغداد لأن المتوكل كان يبغض علياً وذريته فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة وميل الناس إليه فخاف منه، فدعا ابن هرثمة، وقال اذهب إلى المدينة وانظر في حاله واشخصه إلينا، قال يحيى: فذهبت إلى المدينة فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي، وقامت الدنيا على ساق لأنه كان محسناً فجعلت أسكنهم وأحلف لهم إني لم أؤمر فيه بمكروه، وإنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب علم فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي وأحسنت عشرته...).
قال الشيخ المفيد (في الارشاد ج2ص311): (خرج معه يحيى بن هرثمة حتى وصل إلى سامراء، فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه يومه ثم تقدم المتوكل بإفراد دارٍ له فانتقل إليها).
وعن وفاة الهادي (عليه السَّلام) ذكر اليعقوبي في تاريخه (3/225) عن حوادث عام 254 هـ قال: (قضي عليه في الشارع المعروف بأبي حمد فلما كثر الناس وأجمعوا كثر بكاؤهم وضجتهم فرد النعش إلى داره فدفن فيها)...