ما جرى بينه وبين خلفاء زمانه وبعض احوالهم (1)
* (وتاريخ وفاته صلوات الله عليه) *

فيما يلي سيتم ذكر روايات متعددة حول هذا الموضوع مع مصدر كلٍ منها:
1 ـ ذكر الحسن بن محمد جمهور العمي (2) في كتاب الواحدة قال:
حدثني أخي الحسين بن محمد قال: كان لي صديق مؤدب لولد بغا أو وصيف الشك مني فقال لي: قال لي الامير منصرفه من دار الخليفة: حبس أمير المؤمنين هذا الذي يقولون ابن الرضا اليوم، ودفعه إلى علي بن كركر، فسمعته يقول: أنا أكرم على الله من ناقة صالح " تمتعوا في دار كم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " (3).
وليس يفصح بالاية ولا بالكلام، أي شئ هذا؟ قال: قلت أعزك الله توعد انظر ما يكون بعد ثلاثة أيام.
فلما كان من الغد أطلقه واعتذر إليه فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه ياغز، ويغلون، وتامش، وجماعة معهم فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة (4).
قال: وحدثني سعيد بن سهل قال: رفع زيد بن موسى إلى عمر بن الفرج مرارا يسأله أن يقدمه على ابن أخيه ويقول: إنه حدث، وأنا عم أبيه فقال عمر ذلك لابي الحسن (عليه السلام) فقال: افعل واحدة أقعدني غدا قبله، ثم انظر فلما كان من غد أحضر عمر أبا الحسن (عليه السلام) فجلس في صدر المجلس ثم أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن (عليه السلام).
فلما كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قبله فجلس في صدر المجلس ثم أذن لابي الحسن (عليه السلام) فدخل، فلما رآه زيد قام من مجلسه وأقعده في مجلسه وجلس بين يديه (5).
2 ـ ذكر أبي محمد الفحام قال: سأل المتوكل ابن الجهم: من أشعر الناس؟
فذكر شعراء الجاهلية والإسلام ثم إنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) فقال: الحماني (6).
حيث يقول:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة * بمط خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا المقال قضى لنا * عليهم بما يهوي نداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا * عليهم جهير الصوت في كل جامع
فان رسول الله أحمد جدنا * ونحن بنوه كالنجوم الطوالع (7)
قال: وما نداء الصوامع؟ يا أبا الحسن ! قال: أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جدي أم جدك؟ فضحك المتوكل، ثم قال:هوجدك، لا ندفعك عنه (8).
3 ـ ذكر أحمد بن علي بن كلثوم، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن الحسن بن شمون وغيره قال: خرج أبومحمد (عليه السلام) في جنازة أبي الحسن (عليه السلام) وقميصه مشقوق فكتب إليه أبوعون الابرش قرابة نجاح بن سلمة من رأيت أو بلغك من الائمة شق ثوبه في مثل هذا؟ فكتب إليه أبومحمد (عليه السلام): يا أحمق وما يدريك ما هذا قد شق موسى على هارون (9).
4- ذكر أحمد بن علي، عن إسحاق، عن ابراهيم بن الخضيب الانباري قال: كتب أبوعون الابرش قرابة نجاح بن سلمة إلى أبي محمد (عليه السلام) أن الناس قد استوهنوا (10) من شقك على أبي الحسن (عليه السلام) فقال: يا أحمق ما أنت وذاك؟ قد شق موسى على هارون (عليه السلام) إن من الناس من يولد مؤمنا، ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا، ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا، ويموت كافرا، وإنك لاتموت حتى تكفر، ويتغير عقلك.
فما مات حتى حجبه ولده عن الناس، وحبسوه في منزله في ذهاب العقل والوسوسة، وكثرة التخليط، ويرد على أهل الامامة وانكشف عما كان عليه (11).
4 ـ مروى إبراهيم بن هاشم القمي قال: توفي أبوالحسن علي بن محمد صاحب العسكر (عليه السلام) يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين وقال ابن عياش: في اليوم الثالث من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين كانت وفات سيدنا أبي الحسن علي بن محمد صاحب العسكر (عليه السلام) وله يومئذ إحدى وأربعون سنة.
5 ـ من نسخة عتيقة حدثني محمد بن محمد بن محسن، عن أبيه، عن محمد بن إبراهيم بن صدقة، عن سلامة بن محمد الازدي عن أبي جعفر بن عبدالله العقيلي عن محمد بن بريك الرهاوي، عن عبدالواحد الموصلى، عن جعفر بن عقيل بن عبدالله العقيلي، عن أبي روح النسائي، عن أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) أنه دعا على المتوكل فقال بعد أن حمدالله وأثنى عليه: اللهم إنى وفلانا عبدان من عبيدك، إلى آخر الدعاء.
ووجدت هذا الدعاء مذكورا بطريق آخر هذا لفظه ذكر باسناده عن زرافة حاجب المتوكل (12) وكان شيعياً أنه قال: كان المتوكل لحظوة الفتح بن خاقان عنده وقربه منه دون الناس جميعا ودون ولده وأهله، وأراد أن يبين موضعه عندهم فأمر جميع مملكته من الاشراف من أهله وغيرهم، والوزراء والامراء والقواد وسائر العساكر ووجوه الناس، أن يزينوا بأحسن التزيين ويظهروا في أفخر عددهم وذخائرهم، ويخرجوا مشاة بين يديه وأن لاير كب أحد إلا هو والفتح بن خاقان خاصة بسر من رأى ومشى الناس بين أيديهما على مراتبهم رجالة وكان يوما قائظا شديد الحروأخرجوا في جملة الا شراف أبا الحسن علي بن محمد (عليه السلام) وشق عليه ما لقيه من الحر والزحمة.
قال زرافة: فأقبلت إليه وقلت له: يا سيدي يعز والله علي ماتلقى من هذه الطغاة، وما قد تكلفته من المشقة وأخذت بيده فتوكأ علي وقال: يا زرافة.
ما ناقة صالح عند الله بأكرم مني أو قال بأعظم قدرا مني، ولم أزل اسائله وأستفيد منه واحادثه إلى أن نزل المتوكل من الركوب، وأمر الناس بالانصراف.
فقدمت إليهم دوابهم فركبوا إلى منازلهم وقدمت بغلة له فركبها وركبت معه إلى داره فنزل ودعته وانصرفت إلى داري ولولدي مؤدب يتشيع من أهل العلم والفضل، وكانت لي عادة باحضاره عند الطعام فحضر عند ذلك، وتجارينا الحديث وما جرى من ركوب المتوكل والفتح، ومشي الاشراف وذوي الاقدار بين أيديهما وذكرت له ما شاهدته من أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) وما سمعته من قوله: " ما ناقة صالح عندالله بأعظم قدرا مني " وكان المؤدب يأكل معي فرفع يده، وقال: بالله إنك سمعت هذا اللفظ منه؟ فقلت له: والله إني سمعته يقوله فقال لي: اعلم أن المتوكل لايبقى في مملكته أكثر من ثلاثة أيام ويهلك فانظر في أمرك واحرزما تريد إحرازه وتأهب لامر ك كي لا يفجؤكم هلاك هذا الرجل فتهلك أموالكم بحادثة تحدث، أو سبب يجري فقلت له: من أين لك ذلك؟ فقال لي: أما قرأت القرآن في قصة الناقة وقوله تعالى " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " (13) ولا يجوز أن تبطل قول الامام.
قال زرافة: فوالله ماجاء اليوم الثالث حتى هجم المنتصر ومعه بغاء ووصيف والاتراك على المتوكل، فقتلوه وقطعوه، والفتح بن خاقان جميعا قطعا حتى لم يعرف أحدهما من الاخر وأزال الله نعمته ومملكته فلقيت الامام أبا الحسن (عليه السلام) بعد ذلك وعرفته ماجرى مع المؤدب، وما قاله، فقال: صدق إنه لما بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوز نتوارثها من آبائنا هي أعز من الحصون والسلاح والجنن وهو دعاء المظلوم على الظالم، فدعوت به عليه فأهلكه الله فقلت: يا سيدي إن رأيت أن تعلمنيه فعلمنيه إلى آخرما أوردته في كتاب الدعاء (14)
6 ـ  ذكر ابن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن عبدالله بن أحمد الموصلي، عن الصقربن أبي دلف الكرخي قال: لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن العسكري (عليه السلام) جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلى الزرافي وكان حاجبا للمتوكل فأمرأن ادخل إليه فادخلت إليه، فقال: ياصقر ما شأنك؟ فقلت:خير أيها الاستاذ، فقال: اقعد فأخذني ما تقدم وما تأخر، وقلت: أخطأت في المجئ. قال: فوحى الناس عنه ثم قال لي: ما شأنك وفيم جئت؟ قلت لخير ما فقال لعلك تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين، فقال: اسكت ! مولاك هو الحق فلا تحتشمني فاني على مذهبك، فقلت: الحمد لله. قال: أتحب أن تراه؟ قلت: نعم قال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد من عنده.
قال: فجلست فلما خرج قال لغلام له: خذبيد الصقر وأدخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخل بينه وبينه، قال: فأدخلني إلى الحجرة وأو مأ إلى بيت فدخلت فاذا هو جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور قال: فسلمت عليه فرد علي ثم أمرني بالجلوس ثم قال لي: يا صقرما أتى بك؟ قلت: سيدي جئت أتعرف خبرك؟ قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت فنظر إلي فقال: يا صقر لا عليك لن يصلوا إلينا بسوء الان، فقلت: الحمد لله.
ثم قلت: يا سيدي حديث يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) لا أعرف معناه، قال: وما هو؟ فقلت: قوله (صلى الله عليه وآله) " لاتعادوا الايام فتعاديكم " ما معناه فقال: نعم الايام نحن ما قامت السماوات والارض، فالسبت اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاحد كناية عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، والاثنين الحسن والحسين، والثلثا علي بن الحسين، ومحمد ابن علي وجعفر بن محمد، والاربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي وأنا، والخميس ابني الحسن بن علي، والجمعة ابن ابني، وإليه تجمع عصابة الحق وهو الذي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
فهذا معنى الايام، فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الاخرة ثم قال (عليه السلام) ودع واخرج، فلا آمن عليك (15)
الهمداني عن علي بن إبراهيم مثله (16).
بيان: قوله: " فأخذني ما تقدم وما تأخر " أي صرت متفكرا فيما تقدم من الامور، وما تأخر منها، فاهتممت لهاجميعا والحاصل أني تفكرت فيما يترتب على مجيئي من المفاسد، فندمت على المجئ.
ويحتمل أن يكون " فأخذبي " بالباء أي سأل عني سئوالات كثيرة عما نقدم وعما تأخر فظننت أنه تفطن بسبب مجيئي فندمت " فوحى الناس " أي أشار إليهم أن يبعدوا عنه، ويمكن أن يقرء الناس بالرفع أي أسرع الناس في الذهاب فان الوحي يكون بمعنى الاشارة، وبمعني الاسراع، ويمكن أن يقرء على بناء التفعيل أي عجل الناس في الانصراف عنه و " صاحب البريد " الرسول المستعجل إذ البريد يطلق على الرسول وعلى بغلته.
7 ـ روى أبوسليمان عن ابن أورمة قال: خرجت أيام المتوكل إلى سرمن رأى فدخلت على سعيد الحاجب ودفع المتوكل أبا الحسن إليه ليقتله، فلما دخلت عليه قال: أتحب أن تنظر إلى إلهك؟ قلت: سبحان الله الذي لا تدركه الابصار، قال: هذا الذي تزعمون أنه إمامكم ! قلت: ما أكره ذلك قال: قد امرت بقتله وأنا فاعله غدا، وعنده صاحب البريد، فاذا خرج فادخل
إليه ولم ألبث أن خرج، قال: ادخل.
فدخلت الدار التي كان فيها محبوسا فاذا بحياله قبر يحفر، فدخلت وسلمت وبكيت بكاءا شديدا فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى، قال: لاتبك لذلك، لايتم لهم ذلك، فسكن ماكان بي فقال: إنه لا يلبث أكثر من يومين، حتى يسفك الله دمه ودم صاحبه الذي رأيته، قال: فوالله ما مضى غير يومين حتى قتل.
فقلت لابي الحسن (عليه السلام): حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لا نعادوا الايام فتعاديكم قال: نعم إن لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) تأويلا.
أما السبت فرسول الله (صلى الله عليه وآله) والاحد أميرالمؤمنين (عليه السلام)، والاثنين الحسن والحسين (عليهما السلام) والثلثا علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، والا ربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وأنا علي بن محمد، والخميس ابني الحسن، والجمعة القائم منا أهل البيت (17)
8 ـ روى أبوسعيد سهل بن زياد قال: حدثنا أبوالعباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب ونحن في داره بسامره فجرى ذكر أبي الحسن فقال: يا أبا سعيد إني احدثك بشئ حدثني به أبي قال: كنا مع المعتز وكان أبي كاتبه فدخلنا الدار، وإذا المتوكل على سريره قاعد، فسلم المعتز ووقف ووقفت خلفه، و كان عهدي به إذا دخل رحب به ويأمر بالقعود فأطال القيام، وجعل يرفع رجلا ويضع اخرى وهو لايأذن له بالقعود.
ونظرت إلى وجهه يتغير ساعة بعد ساعة ويقبل عليه الفتح بن خاقان ويقول: هذا الذي تقول فيه ما تقول، ويردد القول، والفتح مقبل عليه يسكنه، يقول: مكذوب عليه يا أمير المؤمنين وهو يتلظى ويقول: والله لا قتلن هذا المرائي الزنديق وهو يدعي الكذب، ويطعن في دولتي ثم قال: جئني بأربعة من الخزر فجئ بهم ودفع إليهم أربعة أسياف، وأمرهم أن يرطنوا بألسنتهم إذا دخل أبوالحسن ويقبلوا عليه بأسيافهم فيخبطوه، وهو يقول: والله حرقنه بعد القتل، وأنا منتصب قائم خلف المعتز من وراء الستر.
فما علمت إلا بأبي الحسن قد دخل، وقد بادر الناس قدامه، وقالوا: قدجاء والتفت فاذا أنا به وشفتاه يتحر كان، وهو غير مكروب ولا جازع، فلما بصر به المتوكل رمى بنفسه عن السرير إليه، وهو سبقه وانكب عليه فقبل بين عينيه ويده، وسيفه بيده وهو يقول: ياسيدي يا ابن رسول الله يا خير خلق الله يا ابن عمي يا مولاي يا أبا الحسن ! وأبوالحسن (عليه السلام) يقول: اعيذك يا أميرالمؤمنين بالله [اعفني] (18) من هذا، فقال: ما جآء بك يا سيدي في هذا الوقت قال: جاءني رسو لك فقال: المتوكل يدعوك؟ فقال: كذب ابن الفاعلة ارجع يا سيدي من حيث شئت يا فتح ! يا عبيدالله ! يا معتز شيعوا سيدكم وسيدي.
فلما بصربه الخزر خروا سجدا مذعنين فلما خرج دعاهم المتوكل ثم أمر الترجمان أن يخبره بمايقولون، ثم قال لهم: لم لم تفعلوا ما امرتم؟ قالوا: شدة هيبته رأينا حوله أكثر من مائة سيف لم نقدر أن نتأملهم، فمنعنا ذلك عما أمرت به، وامتلات قلوبنا من ذلك، فقال المتوكل: يا فتح هذا صاحبك، وضحك في وجه الفتح وضحك الفتح في وجهه، فقال: الحمد لله الذي بيض وجهه، وأنار حجته (19)
9 ـ كان مولد أبي الحسن الثالث (عليه السلام) بصريا من مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشر ومائتين وتوفي بسر من رأى في رجب من سنة أربع وخمسين ومائتين، وله يومئذ إحدى وأربعون سنة.
وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى، فأقام بها حتى مضى لسبيله وكان مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة، وامه ام ولد يقال لها سمانة (20).
10 ـ ذكر ابن قولويه (21) عن الكليني (22) عن علي بن محمد، عن إبراهيم ابن محمد الطاهري قال: مرض المتوكل من خراج (23) خرج به، فأشرف منه على التلف، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت امه إن عوفي أن يحمل إلى أبي الحسن على بن محمد (عليه السلام) ملا جليلا من مالها.
وقال له الفتح بن خاقان (24): لو بعثت إلى هذا الرجل يعني أبا الحسن فسألته فانه ربما كان عنده صفة شئ يفرج الله به عنك، قال: ابعثوا إليه فمضى الرسول ورجع، فقال: خذوا كسب الغنم (25) فديفوه بمآء ورد، وضعوه على الخراج فانه نافع باذن الله.
فجعل من بحضرة المتوكل يهزء من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ماقال، فوالله إني لا رجو الصلاح به فاحضر الكسب، وديف بماء الورد ووضع على الخراج، فانفتح وخرج ماكان فيه، وبشرت ام المتوكل بعافيته فحملت إلى أبي الحسن (عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها فاستقل المتوكل من علته.
فلما كان بعد أيام سعى البطحائي (26) بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكل فقال: عنده سلاح وأموال، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلا عليه، ويأخذ ما يجد عنده من الاموال والسلاح، ويحمل إليه فقال إبراهيم بن محمد: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن (عليه السلام) بالليل، ومعى سلم، فصعدت منه إلى السطح، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني أبوالحسن (عليه السلام) من الدار: ياسعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة فلم ألبث أن أتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبة من صوف وقلنسوة منها وسجادته على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة فقال لي: دونك بالبيوت. فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئا، ووجدت البدرة مختومة بخاتم ام المتوكل وكيسا مختوما معها، فقال أبوالحسن (عليه السلام): دونك المصلى فرفعت فوجدت سيفا في جفن غير ملبوس، فأخذت ذلك وصرت إليه فلما نظر إلى خاتم امه على البدرة بعث إليها، فخرجت إليه، فسألهاعن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت له: كنت نذرت في علتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه وهذا خاتمك على الكيس ما حركها.
وفتح الكيس الاخر وكان فيه أربع مائة دينار، فأمر أن يضم إلى البدرة بدرة اخرى وقال لي: احمل ذلك إلى أبي الحسن واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت منه، وقلت: ياسيدي عز علي بدخول دارك بغير إذنك، ولكني مأموربه، فقال لي " سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (27) وعن إبراهيم بن محمد مثله.
وفي دعوات الراوندى: مرسلا مثله.
بيان: قوله " كسب الغنم " الكسب بالضم عصارة الدهن، ولعل المراد هنا ما يشبهها مما يتلبد من السرقين تحت أرجل الشاة " والدوف " الخلط والبل بماء ونحوه، قوله " واستقل " في ربيع الشيعة استبل أي حسنت حاله بعد الهزال قوله: عز علي أي اشتد على.
11 ـ كان سبب شخوص أبي الحسن (عليه السلام) من المدينة إلى سر من رأى أن عبدالله بن محمد كان يتولى الحرب والصلاة في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) فسعى بأبي الحسن إلى المتوكل، وكان يقصده بالاذى، وبلغ أبا الحسن (عليه السلام) سعايته به فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبدالله بن محمد عليه وكذبه فيما سعى به، فتقدم المتوكل بإ جابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول فخرجت نسخة الكتاب وهي:
" بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فان أمير المؤمنين عارف بقدرك راع لقرابتك، موجب لحقك، مؤثر من الامور فيك وفي أهل بيتك، ما يصلح الله به حالك وحالهم، يثبت به [من] عزك وعزهم ويدخل الامن عليك وعليهم يبتغي بذلك رضا ربه، وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم.
فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبدالله بن محمد عما كان يتولى من الحرب و الصلاة بمدينة الرسول، اذ كان على ماذكرت من جهالته بحقك، واستخفافه بقدرك، وعند ماقرفك به ونسبك إليه من الامر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في برك وقولك (28) وأنك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه.
وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتبجيلك، والانتهاء إلى أمرك ورأيك، والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق إليك، يحب إحداث العهد بك، والنظر إلى وجهك.
فان نشطت لزيارته والمقام قبله، ما أحببت، شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت، وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت، فان أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين و من معه من الجند يرحلون برحيلك، يسيرون بمسيرك، فالامر في ذلك إليك، و قد تقدمنا إليه بطاعتك.
فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحمد له أثرة ولا هو لهم أنظر، وعليهم أشفق، وبهم أبر، وإليهم أسكن منه إليك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب إبراهيم بن العباس (29) في جمادى الاخرى سنة ثلاث وأربعين ومائتين، فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن (عليه السلام) تجهز للرحيل (30) وخرج معه يحيى بن هرثمة حتى وصل سرمن رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل في خان يقال له خان الصعاليك، وأفام به يومه، ثم تقدم المتوكل بافراد دارله، فانتقل إليها (31).
أخبرني أبوالقاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبدالله، عن محمد بن يحيى، عن صالح بن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم وروده فقلت له: جعلت فداك في كل الامور أرادوا إطفاء نورك، والتقصير بك، حتى أنزلوك هذا المكان الأشنع، خان الصعاليك.
فقال: ههنا أنت يا ابن سعيد؟ ثم أومأ بيده فاذا أنا بروضات أنيقات، وأنهار جاريات وجنات فيها خيرات عطرات، وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون، فحار بصري، وكثر عجبي فقال (عليه السلام) لي: حيث كنا فهذا لنايا ابن سعيد، لسنا في خان الصعاليك.
وأقام أبوالحسن (عليه السلام) مدة مقامه بسر من رأى مكرما في ظاهر حاله يجتهد المتوكل في إيقاع حيلة به، فلا يتمكن من ذلك، وله معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب، فيها آيات له وبينات، إن عمدنا لايراد ذلك خرجنا عن الغرض فيما نحوناه.
وتوفي أبوالحسن (عليه السلام) في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسر من رأى، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه وهو الامام بعده والحسين ومحمد وجعفر، وابنته عائشة، وكان مقامه في سرمن رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهرا وتوفي وسنه يومئذ على ما قدمناه إحدى وأربعين سنة (32).
12 ـ ذكر أبومحمد الفحام بالاسناد عن سلمة الكاتب قال: قال خطيب يلقب بالهريسة للمتوكل: ما يعمل أحدبك ما تعمله بنفسك في علي بن محمد، فلا في الدارإلا من يخدمه، ولا يتعبونه يشيل الستر لنفسه، فأمر المتوكل بذلك فرفع صاحب الخبر أن علي بن محمد دخل الدار، فلم يخدم ولم يشل أحد بين يديه الستر فهب هواء فرفع الستر حتى دخل وخرج، فقال: شيلوا له الستر بعد ذلك فلا نريد أن يشيل له الهواء (33).
وفي تخريج أبي سعيد العامري رواية عن صالح بن الحكم بياع السابري قال: كنت واقفيا فلما أخبرني حاجب المتوكل بذلك أقبلت أستهزئ به إذ خرج أبوالحسن فتبسم في وجهي من غير معرفة بيني وبينه، وقال: يا صالح إن الله تعالى قال في سليمان " وسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب " و نبيك وأوصياء نبيك أكرم على الله تعالى من سليمان، قال: وكأنما انسل من قلبي الضلالة، فتركت الوقف.
الحسين بن محمد قال: لما حبس المتوكل أبا الحسن (عليه السلام) ودفعه إلى علي ابن كركر قال أبوالحسن: أنا أكرم على الله من ناقة صالح " تمتعوا في داركم ثلثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " (34) فلما كان من الغد أطلقه واعتذر إليه فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه ياغز وتامش ومعطون، فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة.
وفي رواية أبي سالم أن المتوكل أمر الفتح بسبه فذكر الفتح له ذلك فقال: قل " تمتعوا في دار كم ثلاثة أيام " الاية وأنهى ذلك إلى المتوكل، فقال: أقتله بعد ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث قتل المتوكل والفتح (35).
13 ـذكر أبوالهلقام وعبدالله بن جعفر الحميري والصقر الجبلي وأبوشعيب الحناط وعلي بن مهزيار قالوا كانت زينب الكذابة تزعم أنها ابنة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأحضرها المتوكل وقال: اذكري نسبك، فقالت: أنا زينب ابنة علي (عليه السلام) وأنها كانت حملت إلى الشام، فوقعت إلى بادية من بني كلب فأقامت بين ظهر انيهم.
فقال لها المتوكل: إن زينب بنت علي قديمة، وأنت شابة؟ فقالت: لحقتني دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يرد شبابي في كل خمسين سنة، فدعا المتوكل وجوه آل أبي طالب، فقال: كيف يعلم كذبها؟ فقال الفتح: لا يخبرك بهذا إلا ابن الرضا (عليه السلام) فأمر باحضاره وسأله فقال (عليه السلام): إن في ولد علي (عليه السلام) علامة، قال:
وماهي؟ قال: لاتعرض لهم السباع، فألقها إلى السباع، فان لم تعرض لها فهى صادقة، فقالت: يا أمير المؤمنين الله الله في فانما أراد قتلي، وركبت الحمارو جعلت تنادي: ألا إنني زينب الكذابة.
وفي رواية أنه عرض عليها ذلك فامتنعت فطر حت للسباع فأكلتا.
قال علي بن مهزيار فقال علي بن الجهم: جرب هذا على قائله فاجيعت السباع ثلاثة أيام ثم دعا بالامام (عليه السلام) وأخرجت السباع فلما رأته لاذت و تبصبصت بآذانها، فلم يلتفت الامام (عليه السلام) إليها، وصعد السقف وجلس عند المتوكل ثم نزل من عنده، والسباع تلوذبه، وتبصبص حتى خرج (عليه السلام) وقال: قال النبى (صلى الله عليه وآله): حرم لحوم أو لادي على السباع (36).
14 ـ قال أبوجنيد: أمرني أبوالحسن العسكري بقتل فارس بن حاتم القزويني فناولني دارهم وقال: اشتربها سلاحا واعرضه علي فذهبت فاشتريت سيفا فعرضته عليه، فقال: رد هذا وخذ غيره، قال: ورددته وأخذت مكانه ساطورا فعرضته عليه، فقال: هذانعم، فجئت إلى فارس، وقد خرج من المسجد بين الصلاتين المغرب والعشاء الاخرة فضربته على رأسه فسقط ميتا ورميت الساطور، واجتمع الناس واخذت إذ لم يوجد هناك أحد غيري فلم يروا معي سلاحا ولا سكينا ولاأثر الساطور، ولم يروا بعد ذلك فخليت (37)
15 ـ مضى (عليه السلام) لاربع بقين من جمادى الاخرة سنة أربع وخمسين و مائتين وله إحدى وأربعون سنة، وستة أشهر أو أربعون سنة، على المولد الاخر الذي روي، وكان المتوكل أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى فتوفي بها (عليه السلام) ودفن في داره (38).
16 ـ توفي (عليه السلام) بسر من رأى لثلاث ليال خلون نصف النهار من رجب، سنة أربع وخمسين ومائتين، وله يومئذ إحدى وأربعون سنة وسبعة أشهر وكانت مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة، وكانت مده مقامه بسرمن رأى إلى أن قبض (عليه السلام) عشرين سنة وأشهرا.
17 ـ امه سمانة، ولد بالمدينة منتصف ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين وقبض بسرمن رأى في يوم الاثنين ثالث رجب سنة أربع وخمسين ومائتين ودفن في داره بها
18 ـ في آخر ملك المعتمد استشهد مسموما وقال ابن بابويه: وسمه المعتمد (39).
19 ـ في أدعية شهر رمضان: وضاعف العذاب على من شرك في دمه و هوالمتوكل.
20 ـ قال الحافظ عبدالعزيز: قال علي بن يحيى بن أبي منصور: كنت ( يوما] بين يدي المتوكل، ودخل علي بن محمد بن علي بن موسى (عليهم السلام) فلما جلس قال له المتوكل: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبدالمطلب؟ قال: مايقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله تعالى طاعة نبيه على جميع خلقه، وفرض طاعته على نبيه (صلى الله عليه وآله) (40).
21 ـ قبض (عليه السلام) بسر من رأى في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين و له يومئذ إحدى وأربعون سنة وأشهر، وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سرمن رأى فأقام بها حتى مضى لسيبله وكانت مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية ملك المعتصم، ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر، ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة، ثم ملك ابنه المنتصر أشهرا، ثم ملك المستعين وهو أحمد بن محمد بن المعتصم سنتين وتسعة أشهر ثم ملك المعتز وهو الزبير بن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر، وفي آخر ملكه
استشهد ولي الله علي بن محمد (عليهما السلام)، ودفن في داره بسر من رأى، وكان مقامه (عليه السلام) بسرمن رأى إلى أن توفي عشرين سنة وأشهرا (41).
22 ـ ذكر مروج الذهب للمسعودي: كانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) في خلافة المعتز بالله، وذلك يوم الاثنين لاربع بقين من جمادى الاخرة، سنة أربع وخمسين ومائتين وهو ابن أربعين سنة، وقيل ابن اثنتين وأربعين سنة، و قيل أقل من ذلك، وسمعت في جنازته جارية سوداء وهي تقول: ماذا لقينا من يوم الاثنين، وصلى عليه أحمد ابن المتوكل على الله في شارع أبي أحمد، ودفن هناك في داره بسامراء (42).
وحدثنا ابن أبي الازهر، عن القاسم بن أبي عباد، عن يحيى بن هرثمة قال: وجهني المتوكل إلى المدينة لاشخاص علي بن محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) لشئ بلغه عنه، فلما صرت إليها ضج أهلها وعجوا ضجيجا وعجيجا ماسمعت مثله فجعلت اسكنهم وأحلف أني لم اؤمر فيه بمكروه، وفتشت منزله، فلم اصب فيه إلا مصاحف ودعاء وما أشبه ذلك، فأشخصته وتوليت خدمته، وأحسنت عشرته.
فبينا أنافي يوم من الايام والسماء صاحية والشمس طالعة، إذا ركب وعليه ممطر قد عقد ذنب دابته فتعجبت من فعله، فلم يكن من ذلك إلا هنيئة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها، ونالنا من المطر أمر عظيم جدا فالتفت إلي فقال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت، وتوهمت أني أعلم من الامر مالم تعلم، وليس ذلك كما ظننت ولكني نشأت بالبادية، فأنا أعرف الرياح التي تكون في عقبها المطر فتأهبت لذلك.
فلما قدمت إلى مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان على بغداد، فقال: يا يحيى إن هذا الرجل قدولده رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمتوكل من تعلم، وإن حرضته عليه قتله، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصمك، فقلت: والله ما وقفت منه إلا على أمر جميل، فصرت إلى سامراء فبدأت بوصيف التركي وكنت من أصحابه، فقال لي: والله لئن سقط من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون الطالب بها غيري، فتعجبت من قولهما وعرفت المتوكل ما وقفت عليه من أمره، وسمعته من الثناء فأحسن جائزته، وأظهر بره وتكرمته.
وحدثني محمد بن الفرج عن أبي دعامة، قال: أتيت علي بن محمد (عليه السلام) عائدا في علته التي كانت وفاته بها، فلما هممت بالانصراف قال لي: يا أبادعامة قد وجب علي بن حقك ألا احدثك بحديث تسر به؟ قال: فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يا ابن رسول الله قال: حدثني أبي محمد بن علي قال: حدثني أبي علي بن موسى قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن على قال: حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): ياعلي اكتب فقلت: ما أكتب؟ فقال: كتب بسم الله الرحمن الرحيم الايمان ما وقر في القلوب وصدقته الاعمال، والاسلام ماجرى على اللسان، وحلت به المناكحة.
قال أبودعامة: فقلت: يا ابن رسول الله والله ما أدري أيهما أحسن؟ الحديث أم الاسناد؟ فقال: إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) نتوارثهما صاغر عن كابر.
قال المسعودي: وقد ذكرنا خبر علي بن محمد مع زينب الكذابة بحضرة المتوكل ونزوله إلى بركة السباع، وتذللها له، ورجوع زينب عما ادعته من أنها ابنة للحسين، وأن الله أطال عمرها إلى ذلك الوقت: في كتابا أخبار الزمان وقيل: إنه (عليه السلام) مات مسموما.
23 ـ  ذكر في كتاب عيون المعجزات: روي أن بريحة العباسي كتب إلى المتوكل:
إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منها فانه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير، ثم كتب إليه بهذا المعنى زوجة (43) المتوكل فنفذ يحيى بن هرثمة وكتب معه إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتابا جيدا يعرفه أنه قداشتاق إليه و سأله القدوم عليه وأمر يحيى بالمسير إليه وكتب إلى بريحة يعرفه ذلك.
فقدم يحيى المدينة، وبدأ ببريحة، وأصل الكتاب إليه ثم ركبا جميعا إلى أبي الحسن (عليه السلام) وأوصلا إليه كتاب المتوكل فاستأجلها ثلاثة أيام، فلما كان بعد ثلاثة عادا إلى داره فوجدا الدواب مسرجة والاثقال مشدودة، قد فرغ منها فخرج صلوات الله عليه متوجها إلى العراق ومعه يحيى بن هرثمة.
وروي أنه لما كان في يوم الفطر في السنة التي قتل فيها المتوكل أمر المتوكل بني هاشم بالنرجل والمشي بين يديه، وإنما أراد بذلك أن يترجل أبوالحسن (عليه السلام).
فترجل بنوهاشم وترجل أبوالحسن (عليه السلام) واتكأ على رجل من مواليد فأقبل عليه الها شميون وقالوا: يا سيدنا ما في هذاالعالم أحد يستجاب دعاؤه ويكفينا الله، به تعزز هذا، قال لهم أبوالحسن (عليه السلام): في هذا العالم من قلامة ظفره أكرم على الله من ناقة ثمود لماعقرت الناقة صالح الفصيل إلى الله تعالى فقال الله سبحانه:
" تمتعوا في دار كم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " (44) فقتل المتوكل يوم الثالث.
وروي أن المتوكل قتل في الرابع من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين (45) في سبع وعشرين سنة من إمامة أبي الحسن (عليه السلام) وبويع لابنه محمد بن جعفر المنتصر وملك سبعة أشهر ومات، وبويع لاحمد المستعين بن المعتصم وكان ملكه أربع سنين ثم خلع وبويع للمعتز بن المتوكل، وروي أن اسمه الزبير في سنة اثنتين وخمسين ومائتين وذلك في اثنتين وثلاثين سنة من إمامة أبي الحسن (عليه السلام) في سنة أربع وخمسين ومائتين وأحضر ابنه أبا محمد الحسن (عليه السلام) وأعطاه النور والحكمة ومواريث الانبياء والسلاح، ونص عليه وأوصى إليه بمشهد ثقات من أصحابه ومضى (عليه السلام) وله أربعون سنة ودفن بسر من رأى.
وكان يظهر الميل إلى أهل هذا البيت ويخالف أباه في افعاله، فلم يجرمنه على احد منهم قتل او حبس ولا مكروه فيما بلغنا والله اعلم وقال الطبرى: ان المنتصر لماولى الخلافة كان اول شئ احدث من الامور عزل صالح بن على، عن المدينة، وتولية على بن الحسين بن اسماعيل بن العباس بن محمد اياها فذكر عن على بن الحسين انه قال: دخلت عليه اودعه فقال لى: يا على انى اوجهك إلى لحمى ودمى، ومد جلد ساعده وقال: إلى هذا وجهتك، فانظر كيف تكون للقوم. وكيف تعاملهم ـ يعنى آل ابى طالب ـ فقلت: ارجوان امتثل راى اميرالمؤمنين فيهم انشاء الله، فقال: اذا تسعد بذلك عندى.
24 ـ ذكر البرسى في مشارق الانوار: عن محمد بن الحسن الجهني قال: حضر مجلس المتوكل مشعبذ هندي فلعب عنده بالحق فأعجبه فقال له المتوكل: يا هندي الساعة يحضر مجلسنا رجل شريف فاذا حضر فالعب عنده بما يخجله.
قال: فلما حضر أبوالحسن (عليه السلام) المجلس لعب الهندي فلم يلتقت إليه فقال له: يا شريف ما يعجبك لعبي؟ كأنك جائع، ثم أشار إلى صورة مدورة البساط على شكل الرغيف، وقال: يا رغيف مر إلى هذا الشريف، فارتفعت الصورة فوضع أبوالحسن (عليه السلام) يده على صورة سبع في البساط وقال: قم فخذ هذا فصارت الصورة سبع وابتلع الهندي وعاد إلى مكانه في البساط فسقط المتوكل لوجهه وهرب من كان قائما.
اقول: قال المسعودي في مروج الذهب: سعي إلى المتوكل بعلي بن محمد الجواد (عليهما السلام) أن في منزله كتبا وسلاحا من شيعته من أهل قم، وأنه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الاتراك، فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصا وهو متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن.
فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالواله: لم نجد في بيته شيئا ووجدناه يقرء القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكل جالسا في مجلس الشرب فدخل عليه والكاس في يد المتوكل.
فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكاس التي كانت في يده فقال: والله ما يخامر لحمي ودمي قط، فاعفني فأعفاه، فقال: أنشدني شعرا فقال (عليه السلام): إني قليل الرواية للشعر فقال: لابد فأنشده (عليه السلام) وهو جالس عنده:
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل.
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * وأسكنوا حفرا يابئسما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد دفنهم * أين الاساور والتيجان والحلل.
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب ا لاستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود تقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وقد شربوا * وأصبحوا اليوم بعد الاكل قد اكلوا
قال: فبكى المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينيه، وبكى الحاضرون، و دفع إلى علي (عليه السلام) أربعة آلاف دينار، ثم رده إلى منزله مكرما (46).
اقول: روى الكراجكي في كنز الفوائد وقال: فضرب المتوكل بالكأس الارض وتنغص عيشه في ذلك اليوم (47)
25 ـ من كتاب الاستدراك: عن ابن قولويه باسناده إلى محمد بن العلا السراج قال: أخبرني البختري قال: كنت بمنبج (48) بحضرة المتوكل إذ دخل عليه رجل من أولاد محمد ابن الحنفية حلو العينين، حسن الثياب، قد قرف عنده بشئ فوقف بين يديه والمتوكل مقبل على الفتح يحدثه.
فلما طال وقوف الفتى بين يديه وهو لا ينظر إليه قال له: يا أميرالمؤمنين إن كنت أحضرتني لتأديبي فقد أسأت الأدب، وإن كنت قد أحضرتني ليعرف من بحضرتك من أو باش الناس استهانتك بأهلي فقد عرفوا.
فقال له المتوكل: والله يا حنفي لولا ما يثنيني عليك من أوصال الرحم ويعطفني عليك من مواقع الحلم لانتزعت لسانك بيدي، ولفرقت بين رأسك وجسدك ولوكان بمكانك محمد أبوك قال: ثم التفت إلى الفتح فقال: أماترى مانلقاه من آل أبي طالب؟ إما حسني يجذب إلى نفسه تاج عز نقله الله إلينا قبله، أو حسيني يسعى في نقض ما أنزل الله إلينا قبله أو حنفي يدل بجهله أسيافنا على سفك دمه.
فقال له الفتى: وأي حلم تركته لك الخمور وإدمانها؟ أم العيدان وفتيانها ومتى عطفك الرحم على أهلي وقد ابتززتهم فدكا إرثهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فورثها أبوحرملة، وأما ذكرك محمدا أبي فقد طفقت تضع عن عز رفعه الله ورسوله، وتطاول شرفا تقصر عنه ولا تطوله، فأنت كما قال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ثم ها أنت تشكو لي علجك هذا ما تلقاه من الحسني والحسيني والحنفي فلبئس المولى ولبئس العشير.
ثم مدرجليه ثم قال: هاتان رجلاي لقيدك، وهذه عنقي لسيفك، فبوء بإثمي وتحمل ظلمي فليس هذا أول مكروه أوقعته أنت وسلفك بهم، يقول الله تعالى " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (49) فوالله ما أجبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مسألته ولقد عطفت بالمودة على غير قرابته، فعما قليل ترد الحوض، فيذودك أبي ويمنعك جدي صلوات الله عليهما.
قال: فبكى المتوكل ثم قام فدخل إلى قصر جواريه، فلما كان من الغد أحضره وأحسن جائزته وخلى سبيله.
26 ـ ومن الكتاب المذكور بإسناده أن المتوكل قيل له: إن أبا الحسن يعني علي بن محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يفسر قول الله عزوجل " يوم يعض الظالم على يديه " (50) الايتين في الاول والثاني، قال: فكيف الوجه في أمره؟ قالوا: تجمع له الناس وتسأله بحضرتهم فان فسرها بهذا كفاك الحاضرون أمره وإن فسرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه، قال: فوجه إلى القضاة وبني هاشم والاولياء وسئل (عليه السلام) فقال: هذان رجلان كنى عنهما، ومن بالستر عليهما أفيحب أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره الله؟ فقال: لا احب.
كتاب المقتضب لابن عياش ـ رحمه الله ـ قال: لمحمد بن إسماعيل بن صالح الصيمري رحمه الله قصيدة يرثي بها مولانا أبا الحسن الثالث (عليه السلام) ويعزي ابنه أبا محمد (عليه السلام) أو لها:
الارض خوفا زلزلت زلزالها * وأخرجت من جزع أثقالها

إلى أن قال:
عشر نجوم أفلت في فلكها         ويطلع الله لنا أمثالها
بالحسن الهادي أبي محمد        تدرك أشياع الهدى آمالها
وبعده من يرتجى طلوعه       يظل جواب الفلا أجزالها
ذوالغيبتين الطول الحق التي      لا يقبل الله من استطالها
يا حجج الرحمان إحدى عشرة      آلت بثاني عشرها مآلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  1. فصل من كتاب بحار الانوار، تألبف العلامة المجلسي والتعليقات على الأخبار الواردة فيه هي للمؤلف.
  2. هو أبومحمد الحسن بن محمد بن جمهور العمى بصرى ثقة في نفسه، ينسب إلى بنى العم من تميم، روى عن الضعفاء، ويعتمد على المراسيل، ذكره أصحابنا بذلك وقالوا: كان أوثق من أبيه وأصلح قال النجاشى: له كتاب الواحدة أخبرنا أحمد بن عبدالواحد وغيره عن أبى طالب الانبارى عن الحسن بالواحدة.
  3. هود: 65.
  4. اعلام الورى ص 346.
  5. اعلام الورى ص 347.
  6. الحمانى ـ بكسر الحاء وشد الميم نسبة إلى حمان بن عبدالعزى بطن من تميم من العد نانية ـ أبوزكريا يحيى بن عبدالحميد بن عبدالرحمان بن ميمون الكوفى قدم بغداد وحدت بها عن جماعة كثيرة منهم سفيان بن عيينة وأبوبكر بن عياش ووكيع ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، وأورد روايات عن يحيى بن معين أنه قال يحيى بن عبدالحميد الحمانى صدوق ثقة. مات سنة 288 بسرمن رأى في شهر رمضان وكان أول من مات بسامراء من المحدثين الذين اقدموا، له كتاب في المناقب يروى عنه أحمد بن ميثم، وقال النجاشى: له كتاب أخبرناه جماعة عن محمد بن على بن الحسين، عن محمد بن موسى المتوكل، عن موسى ابن أبى موسى الكوفى، عن محمد بن أيوب عنه به.
  7. ظاهر الاشعار أن قائلها رجل من العلويين، والحمانى ليس بعلوى فانه من تميم كماعرفت، فالصحيح مامر في نسخة أمالى الشيخ الطوسى ـ قدس سره ـ ص 129 من هذا لمجلد، وفيه: " فلما سأل الامام (عليه السلام)، قال: فلان بن فلان العلوى ـ قال: ابن الفحام ـ وأخوه الحمانى، حيث يقول " الخ.
  8. مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 406.
  9. رجال الكشى ص 479.
(10) في المصدرالمطبوع: قد استوحشوا.
(11) رجال الكشى ص 480.
(12) مرنظير ذلك عن الخرائج في ص 147، فراجع.
(13) هود الاية: 65.
(14) مهج الدعوات ص 330 ـ 332.
(15) ورواه في معانى الاخبار ص 123 وهكذا رواه الطبرسى في اعلام الورى ص 411.
(16) كمال الدين ج 2 ص 54.
(17) مختار الخرائج ص 212.
(18) الزيادة من المصدر.
(19) مختار الخرائج ص 212 و 213.
(20) الارشادص 307
(21) اعلام الورى ص 344 ورواه ابن شهر آشوب ملخصا في ج 4 ص 415.
(22) الكافى ج 1 ص 499.
(23) الخراج ـ كغراب ـ القروح والدما ميل العظيمة
(24) قال المسعودى: كان الفتح بن خاقان التركى مولى المتوكل اغلب الناس عليه، وأكثرهم تقدما عنده، ولم يكن الفتح مع هذه المنزلة ممن يرحى خيره، أو يخاف شره، وكان له نصيب من العلم، منزلة من الادب وألف كتابا في أنواع من الاداب و ترجمه بكتاب البستان.
(25) في المصباح: الكسب ـ وزان قفل: ثفل الدهن، وهو معرب وأصله الكشب بالشين المعجمة.
(26) هو أبوعبدالله محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن أميرالمؤمنين (عليهما السلام). وهو وأبوه وجده كانوا مظاهرين لبنى العباس على سائر أولاد أبى طالب.
قال في عمدة الطالب: كان الحسن بن زيد أمير المدينة من قبل المنصور الدوانيقى وكان مظاهرا لبنى العباس على بني عمه الحسن المثنى، وهو أول من لبس السواد من العلويين.
وقال في القاسم بن الحسن: أنه كان زاهدا عابدا ورعا، الا أنه كان مظاهرا لبنى العباس على بنى عمه الحسن، وقال في محمد بن القاسم: أنه يلقب بالبطحانى ـ منسوبا إلى بطحاء ـ أو إلى البطحان ـ واد بالمدينة، قال العمرى: وأحسب أنهم نسبوه إلى أحد هذين الموضعين لادمانه الجلوس فيه وكان محمد البطحانى فقيها.
(27) الارشاد ص 309 و 310.
(28) في الكافى: " في ترك محاولته ".
(29) رواه الكلينى في الكافى ج 1 ص 501، وهنا ينتهى لفظه، والسند فيه هكذا:
محمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، قال: أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبى الحسن الثالث " ع " من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وهذه نسخته ! الخ.
(30) قال سبط ابن الجوزى في التذكرة ص 202: قال علماء السير: وانما اشخصه المتوكل من مدينة رسول الله إلى بغداد، لان المتوكل كان يبغض عليا ودريته، فبلغه مقام على بالمدينة، وميل الناس اليه، فخاف منه، فدعا يحيى بن هرثمة وقال: اذهب إلى المدينة وانظرفى حاله وأشخصه الينا.
قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما ماسمع الناس بمثله خوفا على على ـ (عليه السلام) ـ وقامت الدنيا عليه ساق، لانه كان محسنا اليهم ملازما للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا.
قال يحيى: فجعلت أسكنهم وأحلف لهم: أنى لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لابأس عليه ثم فتشت منزله، فلم اجد فيه الامصاحف وادعية وكتب العلم، فعظم في عينى وتوليت، خدمته بنفسى، وأحسنت عشرته.
فلما قدمت به بغداد بدأت باسحاق بن ابراهيم الطاهرى ـ وكان واليا على بغداد ـ فقال لى: يا يحيى ! ان هذا لرجل قدولده رسول الله، والمتوكل من تعلم، فان حرضته عليه قتله. وكان رسول الله خصمك يوم القيامة، فقلت له: والله ما وقفت منه الاعلى كل أمر جميل ثم صرت به إلى سرمن رأى فبدأت بوصيف التركى فأخبرته بوصوله، فقال: والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها الاسواك، فتعجبت كيف وافق قوله قول اسحاق.
فلما دخلت على المتوكل سألنى عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه و زهادته وانى فنشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم، وان أهل المدينة خافوا عليه.
فأكرمه المتوكل، وأحسن جائزته، وأجزل بره، وأنزله معه سرمن رأى.
(31) تراه في اعلام الورى ص 347 و 348، فراجع.
(32) الارشاد ص 313 و 314.
(33) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 406
(34) هود: 65.
(35) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 407.
(36) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 416.
(37) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 417.
(38) الكافى ج 1 ص 497.
(39) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 401
(40) كشف الغمة ج 3 ص 232.
(41) اعلام الورى ص 339.
(42) سامرا بلدة شرقى دجلة من ساحلها، وقد يقال سامرة، واصلها لغة اعجمية ونظيرها " تامرا " اسم طسوج من سواد بغداد واسم لاعالى نهر ديالى، نهر واسع كان يحمل السفن في أيام المدود، وهذا وزن ليس في أوزان العرب له مثال، لكنه قد لعبت بها يد أدباء العرب، وصرفوها، فقالوا: سرمن رأى: إلى سرور لمن رأى: وسرمن رأى، على انه فعل ماض وسرمن راى، على انه مصدر مجرد، وقيل: أصله: ساء من رأى.
(43) فوجه خ ل.
(44) هود: 65.
(45) قال ابن جوزى في التلقيح: قتل المتوكل ليلة الاربعاء، لاربع خلون، من شوال سنة تسع وأربعين ومائتين، وولى بعده المنتصر ابنه وكان خلافته ستة أشهر، وولى بعده المستعين وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، وولى بعده المعتز وكانت خلافته ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكيف كان فقد كان في قتل المتوكل ـ وهو بدعاء الهادى (عليه السلام) ـ فرجا ومخرجا لال أبى طالب كلهم، حيث عطف المنتصر عليهم، وأحسن اليهم ووجه بمال فرقه فيهم، وكان يؤثر ـ كما ذكره في المقاتل ـ مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادة مذهبه طعنا عليه ونصرة لفعله.
(46) روى المسعودى عن المبرد قال: وردت سرمن رأى فادخلت على المتوكل وقد عمل فيه الشراب، وبين يديه المتوكل البحترى الشاعر فابتدا ينشده قصيدة يمدح بها المتوكل أولها:
عن أى ثغر تبتسم * وبأى طرف تحتكم
حسن يضبئ بحسنه * والحسن أشبه بالكرم
قل للخليفة جعفر * المتوكل ابن المعتصم
المرتضى ابن المجتبى * والمنعم بن المنتقم
إلى أن قال:
نلنا الهدى بعد العمى * بك والغنى بعد العدم
فلما انتهى، مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبوالعنبس فقال: يا أمير المؤمنين تأمر برده، فقد والله عارضته في قصيدته هذه، فأمر برده فأخذ أبوالعنبس ينشد:
من اى سلح تلتقم * وبأى كف تلتطم
أدخلت رأس البحترى * أبى عبادة في الرحم
ووصل ذلك بما اشبهه من الشتم، فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه، وفحص برجله اليسرى وقال يدفع إلى ابى العنبس عشرة آلاف درهم، فقال الفتح: ياسيدى البحترى الذى هجى واسمع المكروه ينصرف خائيا؟ قال: ويدفع إلى البحترى عشرة آلاف درهم.
(47) ورواه سبط ابن الجوزى في التذكره ص 203 نقلا عن المسعودى في مروج الذهب.
(48) منبج ـ كمجلس ـ اسم موضع من أعمال الشام.
(49) الشورى: 23.
(50) الفرقان: 27.