تأسيس سامراء العاصمة (1)

كما هو معلوم فإن الديار تُقام على ضفاف الأنهار لتسهيل أسباب العيش من جهة بالنسبة للمجتمعات الزراعية قديماً، ولإمكانية استغلال الأنهار لتجارة نقل البضائع من مدينة لأخرى من جهة ثانية.
فقد شيدت المدينة على مكان كان مستوطنا عراقياً منذ قديم الزمان، وكان لسكانه نصيب من الحضارة تمتد إلى عصور سحيقة، بل يعتقد بعض المؤرخين أن سامراء هي المنطقة التي جاء منه السومريون الذين أسسوا أول حضارة بشرية في جنوب العراق كانت الأساس لما بعدها من الحخضارات العراقية وحضارات بلدان العالم القديم الأخرى.
وقد أعيد بناء هذه المدينة بشكل جديد وأطلق عليها اسم (سر من رأى) اشتقاقاً من اسمها القديم كما يبدو في تحليل اسمها، أو لأن بانيها أرادها أن تكون كذلك، بسبب جمال ووسع بنائها  الذي أراده ان يسر الناظرين، فجُعل لها الإسم حين بُنيت من جديد.
وعلى أي الفرضين فإن اسمها القديم قد رجع إليها والذي بقي حتى اليوم، وهذا خلاف من يقول بأن اسمها هذا مشتق من (سر من رأى).
بنيت سامراء لتكون عاصمة الإمبراطورية العباسية وذلك بعهد الحاكم العباسي المعتصم بن هارون الرشيد سنة (221هـ / 836 م) وهو ثامن (خلفاء) بني العباس ليجعلها عاصمة جديدة، ثمّ وسعها ابنه الواثق، وأوصلها إلى أقصى اتساعها المتوكل.
حيث إنه وبعد وفاة المأمون بن هارون الرشيد تولى أمر الحكم الامبراطوري العباسي أخوه أبو أسحق محمد الملقب بالمعتصم سنة (218هـ 833م) وكان الأخير قد فقد الثقة بأبناء العراق ليوالوه بسبب ظلمه وميل أغلبهم أصلاً للخلفاء الشرعيين لآل البيت عليهم السلام، فأكثر من شراء الأتراك ليشكلوا جيشه خوفاً من انقلاب العراقيين وباقي العرب ضده لو كانوا يشكلون جيشه، حتى وصل عدد جنوده من الأتراك زهاء (70) ألف مملوك، وكان هؤلاء الجنود الأتراك إذا امتطوا الدواب ركضوا بها فيصدمون الناس بصورة عشوائية حتى سأمهم العراقيون الذين شجعوا الغوغاء على قتل بعضهم فتذهب دمائهم هدراً، فثقل ذلك على نفسية الحاكم المعتصم، وقرر نقل عاصمته وجنوده الأتراك لعدة أماكن خارج بغداد.
فراح المعتصم يفتش عن موضع لبناء عاصمته الجديدة، فلما كان يتحرى المواضع، وصل إلى موضع يبعد عن بغداد 118 كم، وجد فيه ديرا للمسيحيين، فأقام فيه ثلاثة أيام ليتأكد له ملاءمة المحل، فاستحسنه واستطاب هواءه، واشترى أرض الدير بأربعة آلاف دينار، وأخذ في سنة ( 221 هـ ) بتخطيط مدينته التي سماها (سر من رأى) في ذلك الموضع، وذكر مصدر تأريخي أن المعتصم لما استقرت به الرغبة لاختيار موقع مدينة سامراء التي لم يكن فيها سوى ذلك الدير للنصارى، سأل الرهبان فيه عن اسم الموضع الذي هم فيه، فقال له بعض الرهبان: (نجد في كتبنا القديمة أن هذا الموضع يسمى سُرَّ من رأى وأنه كان في مدينة سام بن نوح وأنه سيعمر بعد دهور على يد ملك... فقال: أنا والله أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي) وهكذا أمر المعتصم ببناء القصور والدور وجلب للمدينة الجديدة أصناف الشجر المثمر من جميع البلدان فغرست البساتين في كل مكان.
وأشارت بعض المصادر التاريخية بأن المعتصم بعدما وقع اختياره برغبة شديدة على موقع سامراء وبناها، أمَر بأن يستقر الأتراك من مماليكه (عسكره وقادتهم) في أماكن خاصة من المدينة، وأمر أن لا يختلطوا بعناصر من مواطني دولته الآخرين فيها كي لا تفسد طاعتهم له، ولم تمضي زهاء ثلاث سنوات حتى قصدها الناس وشيدوا فيها مباني شاهقة وسميت بالعسكر والنسبة اليها عسكري، فأصبحت سامراء من المدن المهمة في عهد بني العباس وكان من ضمن العمران فيها أن شيد المعتصم ثكنات عسكرية لسكن (250) ألف جندي واصطبلات تستوعب (160) ألف حصان.
ولا تُعرف مدينة اتسع عمرانها في بضع سنوات كما اتسع عمران مدينة سامراء، حتّى امتد العمران إلى مسافة (35) كيلومتراً على ضفتي نهر دجلة.

_______________________________________
[1] معظم معلومات هذه الصفحة مُعدة بتصرف من كتاب (موسوعة العتبات المقدسة – قسم سامراء) لمؤلفه جعفر الخليلي والكتاب من منشورات مؤسسة الأعلمي (بيروت – لبنان) ط2 1407هـ 1987م، وما تبقى من معلومات فقد أخذت من عدة مصادر أخرى، وقام محرر موقع العتبة العسكرية المقدسة (جسام محمد السعيدي) بإضافات في الجانب التأريخي وتعديلات تناسب الزمان الحالي، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات الجغرافية للمدينة.